ابن كثير
112
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [ البقرة : 151 - 152 ] ولهذا قال هاهنا قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ أي كما أنتم فيها لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا أي من جنسهم . ولما كنتم أنتم بشرا بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفا ورحمة . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 96 ] قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 96 ) يقول تعالى مرشدا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الحجة على قومه في صدق ما جاءهم به : إنه شاهد علي وعليكم ، عالم بما جئتكم به ، فلو كنت كاذبا عليه لا لانتقم مني أشد الانتقام ، كما قال تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ [ الحاقة : 44 - 46 ] . وقوله إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً أي عليما بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة ، ولهذا قال : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 97 ] وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً ( 97 ) يقول تعالى مخبرا عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه وأنه لا معقب له بأنه من يهده فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه أي يهدونهم ، كما قال : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [ الكهف : 17 ] وقوله : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ قال الإمام أحمد « 1 » ، حدثنا ابن نمير ، حدثنا إسماعيل عن نفيع قال : سمعت أنس بن مالك يقول : قيل : يا رسول اللّه كيف يحشر الناس على وجوههم ؟ قال : « الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم » « 2 » ، وأخرجاه في الصحيحين . وقال الإمام أحمد « 3 » أيضا : حدثنا الوليد بن جميع القرشي عن أبيه عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن حذيفة بن أسيد قال : قام أبو ذر فقال : يا بني غفار ، قولوا ولا تحلفوا ، فإن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج : فوج راكبين طاعمين كاسين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار ، فقال قائل منهم : هذان قد عرفناهما ، فما بال الذين يمشون ويسعون ؟ قال « يلقي اللّه عز وجل الآفة على الظهر حتى لا يبقى ظهر ، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة فيعطيها بالشارف « 4 » ذات القتب « 5 » فلا يقدر عليها » .
--> ( 1 ) المسند 3 / 167 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 25 ، باب 1 ، ومسلم في المنافقين حديث 54 . ( 3 ) المسند 5 / 164 ، 165 . ( 4 ) الشارف : الناقة المسنة . ( 5 ) القتب للبعير : شبه الرحل .